الشيخ محمد رشيد رضا
260
الوحي المحمدي
علوم البشر لا تستقل بهدايتهم لأنهم لا يدينون إلا لوحى ربهم ألا إنه قد ثبت بالحس والعيان ، أن العلم البشرى وحده لا يصلح أنفس الناس ؛ لأنهم لا يخالفون أهواءهم وشهواتهم الشخصية والقومية إلى اتباع آراء أفراد منهم ، وإنما يدينون بوازع الفطرة لما هو فوق معارفهم البشرية ، وهو ما يأتيهم من ربهم ، ولا يوجد في الأرض دين عام كامل صحيح ثابت إلا دين الإسلام ، وقد بينا لكم أصول تشريعه الروحي والسياسي والاجتماعي الصالح لكل زمان ومكان ، وأنه دين السلام والحق والعدل والمساواة التي تعطى كل شعب وكل فرد حقه ، فبه وحده يمكن البرء من الأدواء المالية والسياسية والحربية والاجتماعية كلها ، فاليهوديّة دين مؤقت خاص غير عام وانتهى زمانها ، والمسيحية إصلاح روحي لليهودية ليس فيها تشريع ، ولا تصلح وصاياها الزهدية التواضعية لحضارة هذا العصر ، وإنما كانت موقوتة لإصلاح غلو اليهود والروم في الطمع الدنيوي والشهوات كما تقدم . والبرهمية والبوذية والمجوسية على ما تعلمون فيهن من وثنية وخصوصية ، وخرافات وعداوات ، وتفاوت طبقات يدينون الله بجعل بعض من كرمهم من البشر أخساء بالفطرة كالحشرات ، أو رجسا من عمل الشيطان ، فلا يصلح شئ منها لتثقيفهم بالتوحيد والعرفان ، والإخاء الإنسانى العام ، فإذن لا ملجأ ولا وزر ، والمتحد للبشر ، إلا دين الإسلام قال الله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ [ آل عمران : 19 ] ، فلئن اهتدت به أمة قوية منظمة لتصلحن به سائر الأمم ، ولتكون لها السيادة العليا في جميع الأرض ، وليدخلن العالم الإنسانى في طور جديد من الترقي الجامع بين منافع القوى المادية ، والمعارف الروحية ، وهما منتهى السعادة الإنسانية . الرجاء في العلماء المستقلين دون السياسيين : بلغنا أنه دعا بعض العلماء منكم إلى عقد مؤتمر من كبار علماء الشعوب كلها للبحث في الوسائل التي يمكن أن تقى حضارة العصر من غوائل الشحناء القومية والدولية ، ولئن